رواية
السمان والخريف
«وشُحن الجوُّ باحتمالاتٍ شتى متناقضة، ولكنَّها اتفقت جميعًا على انتزاع الطُّمأنينة من نفسه، فكابَد حياتَه بأعصابٍ عارية، وبات تأجيل زواجه أمرًا محتومًا حتى تستقرَّ الأرض تحت قدمَيه، وحتى يَستردَّ حَمُوه وعيَه. وانتصبت علامات الاستفهام أمام عينَيه وأعين أصحابه كالرايات السُّود على السواحل عند هِياج البحر، ومضغوا الشائعات كالعلقم.»
برؤيةٍ فلسفية خاصة، وبلغةٍ بسيطة صوَّر «نجيب محفوظ» وضع الوفديِّين بعد ثورة 1952م، من خلال شخصية «عيسى الدباغ»؛ أحدِ أبناء «حزب الوفد» الذي كان يَتمتَّع بسُلطة ونفوذ في فترة الملكيَّة، ثم جاء حريق القاهرة، ومن بعده ثورة يوليو 1952م، ليقضيَا على نفوذه السياسي والاجتماعي؛ فيُجرَّد من وظيفته وتَحلَّ أسرةُ خطيبته الارتباطَ به، ويدخل في حالة من التِّيه والاغتراب. وبالرغم من تَفاعُله مع العُدوان الثلاثي على مصر، مُعلِيًا مصلحةَ وطنه على مصلحته الشخصية، فإنَّه بعد انتهاء العُدوان يَنكفئ على ذاته مرَّة أخرى، ويعيش هاجرًا مجتمعَه يعاني الوَحْدة والشرود. وتَتقلَّب به الأحداث فيَتعرَّف على فتاةِ ليلٍ هي «ريري» التي تخبره بحَمْلها، لكنه يرفض هذا الحمل ويطردها، ليُفاجَأ بعد سنوات بأنَّ لديه ابنةً منها، فلا يجد إلَّا تمثال «سعد زغلول» يلجأ إليه.
ملخص رواية «السمان والخريف»
في اليوم الذي اشتعلت فيه النيران في القاهرة، يرجع عيسى الدبّاغ من جبهة القنال فيرى العاصمة تأكل نفسها بنفسها. كان عيسى مديرًا لمكتب الوزير، وواحدًا من رجال حزبه الذين يبدو لهم مقعد الوزارة قريب المنال، وقد خطب سلوى ابنة قريبه الموسر علي بك سليمان. لكن إقالة الحكومة تبعده إلى المحفوظات، ثم يأتي بيان الجيش في يوليو فيهدم العالم الذي ألفه: يمثل أمام لجنة التطهير متهمًا بالمحاباة في تعيين العُمَد وبتلقي الهدايا، فيُحال إلى المعاش، وتنفسخ خطبته، بينما يرتقي ابن عمه حسن، منافسه القديم، في ظل العهد الجديد.
يأبى عيسى الوظيفة التي يعرضها عليه حسن، ويؤثر الرحيل إلى الإسكندرية بعد انقضاء الصيف، باحثًا عن مدينة لا يعرفه فيها أحد. وفي شقة عالية تطل على البحر، حيث يرى أسراب السمّان تهوي، يذوق مرارة العزلة، ثم يصادف على الكورنيش فتاة صغيرة السن من بنات الليل تُدعى ريري، فيأذن لها بالإقامة معه في ليالي الشتاء، قبل أن يقطع تلك الصلة بقسوة تبقى ذكراها تؤلمه. وتتوالى عليه الضربات: ترحل أمه، ويبلغه أن سلوى عُقد قرانها على حسن.
يرجع عيسى إلى مجالسه في مقهى البوديجا مع رفاقه القدامى، ثم يقترن بقدرية، المرأة الثرية التي تكبره سنًّا، زواجًا ينشد فيه الأمان أكثر مما ينشد الحب. ويتابع أحداثًا جسامًا كتأميم قناة السويس والهجوم على مصر بنفس منقسمة، يميل عقله أحيانًا إلى الثورة ويظل قلبه مشدودًا إلى الماضي. ومع البطالة يستسلم للخمر والقمار، ويظل يلاحقه سؤال لا يقدر على الفرار منه: أيمكن أن يجد لحياته معنى؟
شخصيات رواية «السمان والخريف»
- عيسى إبراهيم الدبَّاغ مدير مكتب الوزير ورجل الحزب الذي يفقد منصبه بعد قيام الثورة.
- سلوى ابنة علي بك سليمان وخطيبة عيسى.
- علي بك سليمان قريب عيسى الثري، المستشار ومن رجال السراي.
- حسن ابن عم عيسى ومنافسه القديم الذي يرتقي في العهد الجديد.
- ريري فتاة صغيرة من بنات الليل تقيم مع عيسى في شقته بالإسكندرية.
- قدريَّة ابنة عنايات هانم الثرية التي يتزوجها عيسى.
- سمير عبد الباقي صديق عيسى الوفي الذي يشاركه المصير ويلجأ إلى التصوف.
- إبراهيم خيرت صديق عيسى المحامي الذي يكتب في الصحف مؤيدًا الثورة.
موضوعات رواية «السمان والخريف»
اقتباسات من رواية «السمان والخريف»
ترى البحر وقد سَحَرَه أكتوبر فأخلد إلى أحلام اليقظة وترى أيضًا أسراب السمَّان تتهاوى إلى مصير محتوم عقب رحلة شاقَّة مليئة بالبطولة الخياليَّة
وكيف يكون للحجر دور في المسرحية، وللحشرة دور، وللمحكوم عليه في الجبل دور، وأنا لا دور لي؟
فسكت عيسى مليًّا كأنما يُصغي إلى الصمت الشامل، ثمَّ قال: ما أشبهنا بساحل الإسكندريَّة في الخريف!
ها هي القاهرة تثور ولكنَّها تثور على نفسها. إنَّها تصبُّ على ذاتها ما تودُّ أن تصبَّه على عدوِّها، إنَّها تنتحر
ومضى في طريقه إلى مسكنه، وهو ينظر إلى الناس بغرابة، كأنَّما يراهم لأول مرَّة، وهم غرباء لا يمتُّون إليه بسبب ولا يمتُّ لهم بسبب، وهو منفيٌّ في مدينته الكبيرة، مطارَدٌ بغير مطارَدة
نحن نعتبر الموت ذروة المأساة، ومع ذلك فموت الأحياء أفظعُ ألف مرَّة من موت الأموات.
ربما كان التعلُّق بالحياة رغم آلامها نوعًا من الحماقة، ولكن ما دمنا أحياء فيجب أن نحارب كافَّة السخافات بلا توانٍ.
إنَّ الخريف في الإسكندرية روح من أرواح الجنة، وهو مغسل لجميع الأحزان، وإنَّ جميع الأحزان ما هي إلَّا أوهام وإنَّ الموت هو حارس السعادة الأبدي
أعمال مقتبسة من رواية «السمان والخريف»