رواية
اللص والكلاب
«هذا هو رءوف علوان، الحقيقة العارية، جثة عَفِنة لا يُواريها تراب، أما الآخَر فقد مضى كأمس، أو كأول يوم في التاريخ، أو كحُب نبوية، أو كوَلاء عليش! أنت لا تنخدع بالمظاهر؛ فالكلام الطيِّب مَكر، والابتسامة شَفة تتقلَّص، والجُود حركةُ دفاعٍ من أنامل اليد، ولولا الحياءُ ما أذِنَ لك بتجاوز العتبة.»
تَتجلَّى الواقعية النقدية عند «نجيب محفوظ» في هذه الرواية، كما أنها تُعد البداية في الفلسفة العبثية التي قدَّمَها في العديد من أعماله التالية؛ فهي من ناحيةٍ انعكاسٌ للواقع المجتمعي الذي لا يقف عند نقطة الرصد، بل يَتجاوزها إلى النظرة النقدية لهذا الواقع، ومن ناحيةٍ أخرى تُثير العديدَ من الأسئلة حول عبثيةِ الحياة التي يَحياها بطلُ الرواية «سعيد مهران»، ومُحاوَلتِه خلْقَ قيمةٍ لهذه الحياة، لكنه يفشل في كل مرة، وهو ما يجعله يستسلم في النهاية لمصيره مُعلِنًا اليأس، وعدم جدوى البقاء أو المقاوَمة في هذا العالم الذي أصبح مَرتعًا للكلاب أمثال صاحبه «عليش» وزوجته «نبوية» والصحفي «رءوف». كما لا تخلو الرواية من إسقاطاتٍ متعدِّدة حول الواقع السياسي والاجتماعي الذي عاشَته مصر بعد ثورة يوليو ١٩٥٢م، والآمال التي كانت مُعلَّقة عليها، والحال التي وصلت إليها.
ملخص العمل
يخرج سعيد مهران من السجن بعد أربعة أعوام قضاها خلف الجدران، فلا يجد أحدًا في انتظاره. ويحمل في صدره جرحًا مزدوجًا؛ فزوجته نبوية تخلّت عنه وصارت زوجة لعليش سدرة، تابعه القديم الذي وشى به إلى الشرطة ووضع يده على ماله. وحين يقصد بيتهما ليطالب بابنته سناء، ذات الأعوام الستة، تفزع الصغيرة منه وتبكي رافضةً الاقتراب من أبٍ لا تعرفه، فينكسر في قلبه آخر ما بقي من رجاء.
يأوي سعيد إلى الشيخ علي الجنيدي، شيخ أبيه الراحل، ثم يسعى إلى رءوف علوان، الطالب الثائر الذي عرفه صبيًّا حين كان أبوه بوابًا لعمارة الطلبة، فرعاه وعلّمه حب الكتب، وأقنعه يومًا بأن السرقة عمل مشروع. لكنه يجده اليوم كاتبًا مرموقًا في جريدة كبيرة، يسكن فيلا فخمة على النيل، فيستقبله على مضض ويُفهمه أن ما كان بينهما بالأمس لم يعد قائمًا. عندئذ يرى سعيد في تحوّل أستاذه خيانة أفظع من خيانة زوجته.
يحصل سعيد على مسدس من المعلم طرزان صاحب المقهى، ويجد ملاذًا عند نور، المرأة التي أحبته قديمًا دون أن يبادلها الحب، في شقة تطل على المقابر. ويعقد العزم على تصفية حسابه مع نبوية وعليش ورءوف، وقد صار يرى خصومه كلابًا لا بد من تأديبها. غير أن صورة سناء تلاحقه بسؤال موجع: من يبقى للصغيرة إن مضى في طريق الثأر؟ وبين الانتقام والحنين، وبين مطاردة الآخرين وكونه هو نفسه مطاردًا، يخوض رجل وحيد رحلته باحثًا عن معنى لحياته.
الشخصيات الرئيسية
- سعيد مهران لص خرج من السجن يحمل جرح الخيانة ويعقد العزم على الثأر من خصومه.
- نبوية زوجة سعيد السابقة التي تخلّت عنه وتزوجت تابعه عليش.
- عليش سدرة تابع سعيد القديم الذي غدر به وأخذ زوجته وماله.
- سناء ابنة سعيد الصغيرة التي لا تعرف أباها وتظل شوكة في قلبه.
- رءوف علوان أستاذ سعيد القديم، الطالب الثائر الذي صار صحفيًّا ثريًّا.
- الشيخ علي الجنيدي شيخ صوفي كان أبو سعيد من مريديه، يلجأ إليه سعيد.
- نور امرأة أحبت سعيد قديمًا وتؤويه في شقتها المطلة على القرافة.
- طرزان صاحب المقهى في الصحراء وصديق سعيد الوفي الذي يمده بالمسدس.
موضوعات العمل
من أجواء العمل
ولكن هيهات أن يطيب العيش إلا بتصفية الحساب، لن أنسى الماضي لسببٍ بسيطٍ، هو أنه حاضِرٌ — لا ماضٍ — في نفسي.
نمتَ نومًا طويلًا، ولكنك لا تعرف الراحة، كطفل مُلقًى تحت نار الشمس، وقلبك المحترِق يحنُّ إلى الظل، ولكن يُمعِن في السير تحت قذائف الشمس، ألم تتعلم المشي بعدُ؟!
ولو أن الخيانة الكامنة ظهرَتْ في صفحة الوجه كما تظهر آثار الحميات الخبيثة لما تجلَّى جمالٌ في غير موضعه، ولأعفيت قلوب كثيرة من عبث المكائد
إنه وحيد حيال الجميع، ولكنهم لا يعلمون، لم يفقهوا بعدُ حديث الصمت والوحدة، ولا يفطنون إلى أنهم أيضًا لهم حديث صمت ووحدة، والمرآة التي تعكس صورهم باهتة مُضلِّلة، فيتوهمون أنهم يرون قومًا غرباء
نحن نتعلَّم من المهد إلى اللحد، ولكن يا سعيد، ابدأ بأن تحاسب نفسك، وليكن في كل فعل يصدر عنك خير لإنسان!
وليس أقسى على القلب من أن يروم قلبًا أصم، عندما تخاطب البلابلُ حجرًا أو تداعب النسمةُ أسنانًا مُدبَّبة
أين الأمان؟ أريد نومة مطمئنة وصحوة هنية، وجلسة وديعة، هل يتعذَّر ذلك على رافع السماوات السبع؟!
والدنيا بلا أخلاق ككون بلا جاذبية، ولستُ أطمع في أكثر من أن أموت موتًا له معنى.
أعمال مقتبسة من هذا العمل