رواية
ثرثرة فوق النيل
«لأننا نخاف البوليس والجيش والإنجليز والأمريكان والظاهر والباطن؛ فقد انتهى بنا الأمر إلى ألَّا نخاف شيئًا.– ولكن الباب مفتوح!– في الخارج عم عبده، وهو كفيل برَدِّ أي اعتداء.»
قبل عامٍ واحد من النكسة، وبينما الكلُّ يُردِّد الحديثَ عن التقدُّم العظيم الذي يعيشه المجتمع المصري في الخمسينيات والستينيات، خرج «نجيب محفوظ» بالحقيقة الكاشفة التي صفَعت وجوهَ الأبواق الكاذبة؛ ليؤكِّد على حالة الضياع والتمزُّق التي يُعانيها الشارع المصري، وأن مجتمعًا كهذا مُقبِل على كارثة لا مَحالة. قدَّم «محفوظ» ثرثرتَه التي حوَت الكثيرَ من الرمزيات؛ فكل جملة فيها حقيقة مؤكَّدة، وخلف كلِّ هَزْل جِد، وخلف كلِّ عَبَث فلسفةٌ مُحكَمة، ورؤيةٌ صائبة؛ ففي عوَّامة على شاطئ النيل اجتمعت مجموعةٌ من الأشخاص من شرائحَ مختلفةٍ من المجتمع المصري، كلٌّ منهم له عالَمه الذي هرب منه؛ ليُمارِسوا في العوَّامة حياةَ اللاشيء، الخاليةَ من المعنى، ولكن وراء اللاشيء تجد المعنى الحقيقيَّ للمرحلة وللحياة. روايةٌ مُكثَّفة تَسبر أغوارَ الحياة، لتكشف لنا عن المعنى الحقيقي للوجود. .
ملخص العمل
أنيس زكي رجل في الأربعين يقضي نهاره موظفًا في إدارة محفوظات حكومية كئيبة، يتلقى فيها توبيخ رؤسائه، ويحمل في داخله فقدًا قديمًا: زوجة وطفلة رحلتا قبل عشرين عامًا، وسنوات دراسة تنقّل فيها بين الطب والعلوم والحقوق دون أن يحصل على شهادة. يقيم وحيدًا في عوّامة راسية على النيل يحرسها عم عبده، الشيخ العملاق الذي يؤم المصلين ويلبّي رغبات السهارى في الوقت نفسه. وتُروى الحكاية بضمير الغائب ملازمةً أنيس، فتمتزج فيها الوقائع بهلاوسه ورحلاته المتخيَّلة في عصور التاريخ.
ومع المساء تصير العوّامة مجلسًا لرفقة ثابتة: الممثل رجب القاضي، والناقد علي السيد، والقاص خالد عزوز، والمحامي مصطفى راشد، ومدير الحسابات أحمد نصر، ومعهم المترجمة ليلى زيدان وسنية كامل. يتولى أنيس تجهيز الجوزة وإدارتها، ويتبارى الجميع في التهكم على كل شأن عام، مؤكدين أن العالم خارج جدرانهم لا يعنيهم. ثم يصطحب رجب إلى السهرة طالبة صغيرة اسمها سناء الرشيدي.
ويتغير إيقاع الليالي بقدوم الصحفية سمارة بهجت، الفتاة الجادة التي تعتذر عن الجوزة وتسأل كل واحد منهم عن همّه الأول، وتحاول أن تستنطق أنيس الصامت، بينما ينصرف رجب إلى ملاحقتها. وتبلغ التوترات ذروة جديدة حين يعبث أنيس بحقيبتها فيستولي على مذكرة تسجّل فيها مشروع مسرحية عن الجدية في مواجهة العبث، وترسم فيها لكل فرد من الرفاق صورة لاذعة. هكذا يتقابل عالمان: لهوٌ يتحصّن بالدخان والسخرية، وجدّية تريد أن تقتحمه، ويظل معلّقًا سؤال قدرة هذا الملاذ الهش على الصمود إذا طرق الواقع بابه.
الشخصيات الرئيسية
- أنيس زكي موظف أربعيني يقيم في العوامة ويعد الجوزة للرفاق ويغرق في خيالاته التاريخية.
- سمارة بهجت صحفية جادة تنضم إلى السهرات وتعد مشروع مسرحية عن أهل العوامة.
- رجب القاضي ممثل سينمائي وسيم يجلب النساء إلى العوامة.
- عم عبده خفير العوامة العجوز العملاق، يؤم المصلين ويقضي حاجات السهارى.
- علي السيد ناقد فني يحلم بمدينة فاضلة، وهو من قدّم سمارة إلى المجلس.
- مصطفى راشد محامٍ ساخر يزعم أنه يبحث عن المطلق.
- خالد عزوز قاص ميسور من أنصار الفن للفن، من رفاق العوامة.
- أحمد نصر مدير حسابات محافظ وزوج وفيّ، أكثر الرفاق حذرًا.
موضوعات العمل
من أجواء العمل
الحق أننا لا مصريون ولا عرب ولا بشر، نحن لا ننتمي لشيء إلا هذه العوَّامة.
إن الذي جعل من تاريخ الإنسانية مقبرةً فاخرةً تزدان بها أرفف المكتبات لا يضن عليها بلحظات مضمَّخة بالمسرة.
لأننا نخاف البوليس والجيش والإنجليز والأمريكان والظاهر والباطن؛ فقد انتهى بنا الأمر إلى ألَّا نخاف شيئًا.
ويا لها من تسلية أن تلاحظ الموظَّف من جدِّية مظهره وهو يؤدِّي عملًا تافهًا!
إذا لم يكُن في النجوم من يُعنى برصد كوكبنا ودراسة أحوالنا الغريبة، فنحن ضائعون.
إرادة الحياة هي التي تجعلنا نتشبَّث بالحياة بالفعل، ولو انتحرنا بعقولنا؛ فهي الأساس المكين المتاح لنا، وقد نسمو به على أنفسنا.
عندما تبدأ سهرة جديدة يتكاثف الإحساس بالحضور، ويطمئن الوجود، وتتوارى فكرة النهاية، فتتهيَّأ فرصة نادرة لممارسة الشعور بالخلود
والعبث هو فقدان المعنى؛ معنى أي شيء. انهيار الإيمان، الإيمان بأي شيء. والسير في الحياة بدافعٍ من الضرورة وحدها، ودون اقتناع، وبلا أمل حقيقي.
أماكن من العمل على خريطة القاهرة
أعمال مقتبسة من هذا العمل