رواية
الحرافيش
«عاد إلى دنيا النجوم والأناشيد والليل والسور العتيق. قبَض على أهدابِ الرؤية فغاصَت قبضتُه في أمواج الظلام الجليل، وانتفض ناهضًا ثمِلًا بالإلهام والقدرة، فقال له قلبُه لا تجزعْ فقد ينفتح البابُ ذاتَ يومٍ تحيةً لمَن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطُموح الملائكة.»
تُعَد مَلحمة «الحرافيش» دُرةَ أدب «نجيب محفوظ»، وأكثرَ أعماله قدرةً على تجسيد الخير والشر، والحق والباطل، والظلم والعدل؛ ففي الحارةِ المصرية، النموذجِ المُصغَّرِ للكون كله، راح «محفوظ» — عبرَ عشرِ حكايات، كل حكاية منها تمثِّل جيلًا من الحرافيش — يُصوِّر مسيرةَ الحياة وتقلُّبات الزمن. فتبدأ الحكاية الأولى ﺑ «عاشور الناجي» الكبير الذي يرى في أحلامه وباءً يجتاح القاهرة، فيلجأ إلى الصحراء مع زوجته وابنه، ثم يعود إلى الحارة بعد انتهاء الوباء ويجدها مُدمَّرة، فيبدأ في تأسيسها من جديد، ويُعيد تقسيمَ الثروة، وتُصبح له الزعامةُ فيحرص على العدل وحماية حقوق الضعفاء، محافظًا على حياة الزُّهد والتديُّن حتى لا يَغترَّ بالسلطة. وتَتوالى الحكايات بين الظلم والعدل، وجنون العظَمة والخلود، حتى يظهر «عاشور الناجي» الحفيدُ الذي يُعيد سيرةَ جدِّه الأكبر في العدل، ويُعيد للحارة عصرَها الذهبي. .
ملخص العمل
تُفتتح الملحمة بفجرٍ يعثر فيه مقرئٌ ضريرٌ هو الشيخ عفرة زيدان على رضيعٍ متروكٍ في الممرّ تحت السور العتيق، فيحمله إلى زوجته سكينة التي تمنحه اسم عاشور. وفي الحارة التي ينشأ فيها تتجاور تكيةٌ موصدةُ الباب يترنّم دراويشها بأناشيد أعجمية لا يُدرَك معناها، وفتوةٌ يتسلّط رجاله على الضعفاء، وحرافيشُ معدمون يبيتون في القبو والخرابات. يشبّ عاشور عملاقًا وديعًا يرفض الانضمام إلى عصابة الفتوة، ثم يغادر الحارة إلى الخلاء إثر رؤيا رآها، فيسلم من وباءٍ يحصد أهلها، ويُعرف منذئذٍ بالناجي. وحين تؤول إليه الفتونة يُلزم أتباعه بالعمل، ولا يأخذ الإتاوة إلا من الموسرين ليردّها على الفقراء.
تمتدّ الملحمة عبر عشر حكايات، لكلٍّ منها عنوانها، يتعاقب فيها أبناء عاشور وأحفاده جيلًا بعد جيل: من ابنه شمس الدين، إلى ذرّيةٍ تتشعّب فتضمّ سماحة المطارَد، وزهيرة الطامحة، وجلال صاحب المئذنة، والفتى فتح الباب، حتى سليلٍ يحمل اسم الجدّ في الحكاية الأخيرة هو عاشور بن ربيع الناجي. تخرج الفتونة من آل الناجي وتعود إليهم مرارًا، ويتقلّب أفرادهم بين الكدح والثراء والانحراف، تتنازعهم شهوة المال والسلطان من ناحية، وذكرى الجدّ الذي غدا في أفواه الحرافيش أسطورة من ناحية أخرى.
وتظلّ التكية بأناشيدها وبابها المغلق شاهدًا صامتًا على ما يتوالى من ظلمٍ وعدل، فيما يتردّد في الحكايات كلّها سؤالٌ واحد: هل يقدر أحدٌ من هذه السلالة أن يبعث عهد عاشور، فيسخّر القوة لنصرة الناس لا لقهرهم، أم أنّ الطمع وتقلّب الزمن كفيلان بأن يطفئا كلّ عدلٍ يولد في الحارة؟
الشخصيات الرئيسية
- عاشور الناجي لقيطٌ يربّيه شيخٌ ضرير، فيغدو مؤسّس السلالة والفتوة العادل الذي تُقاس به الأجيال.
- فُلة يتيمةٌ تبنّاها درويش زيدان، يتزوّجها عاشور وتنجب له شمس الدين.
- شمس الدين ابن عاشور وفُلة، يخلف أباه في الفتونة ويحرص على عهده.
- سماحة بكر الناجي حفيدٌ يحلم بإحياء عهد الناجي فيجد نفسه مطارَدًا بتهمةٍ لم يرتكبها.
- زهيرة فتاةٌ من آل الناجي فائقة الجمال، يدفعها طموحها إلى الصعود من الفقر إلى الجاه.
- جلال عبد ربه الناجي ابن زهيرة، فتوةٌ جبّارٌ يسكنه هاجس الموت ويطلب ما يتجاوز طاقة البشر.
- فتح الباب فتى رقيقٌ من ذرية الناجي، تسحره حكايات جدّته عن عاشور فيتعلّق بعهده.
- عاشور ربيع الناجي سليلٌ يحمل اسم الجد، عملاقٌ عمل راعيًا للغنم ويتأمّل في ساحة التكية سرّ إخفاق أسرته.
موضوعات العمل
من أجواء العمل
في ظل العدالة الحنون تُطْوَى آلامٌ كثيرةٌ في زوايا النسيان. تزدهر القلوب بالثقة وتمتلئ برحيق الموت. ويسعد بالألحان من لا يفقهُ لها معنًى، ولكن هل يتوارى الضياء والسماء صافية؟
لا دائم إلا الحركة، هي الألم والسرور. عندما تَخْضَرُّ من جديد الورقة، عندما تُنبت الزهرة، عندما تنضج الثمرة؛ تُمحَى من الذاكرة سفعة البردِ وجلجلةُ الشتاء.
ما دام يوجد خطأ فلا بد أن يوجد صواب. وإذا وُجد الصواب مرةً فيمكن أن يوجد مرةً أخرى. وإذا كان قد انتكس بعد وجوده فيمكن أن نضمن له حياةً لا تعرف الانتكاسة.
لا يفرِّق هذا الموت الكاسح بين غني وفقير، قوي وضعيف، امرأة ورجل، عجوز وطفل. إنه يطارد الخَلق بهِراوة الفناء.
لا قيمة لبريقٍ في هذه الحياة بالقياس إلى طهارة الضمير وحب الناس وسماع الأناشيد!
ثمة قوةٌ تُغري الجميع بالرقص في منظومة واحدة. لا يدري أحدٌ ما تعانيه الأشياء في سبيل ذلك من أشواق وعناء، مثلما تتلاطم السحب فتنفجر السماء بالرعود.
على الحياة أن تغيِّر وجهَها. القوة كفيلة بأن تغيِّر أبعاد الكون. كلُّ دقيقةٍ تمرُّ بلا تغييرٍ انتصارٌ للذلِّ والتعاسة.
كأننا لا نعمل، ولا نصادق، ولا نحب، ولا نلهو إلا فرارًا من الزمن. الشكوى من قِصره ومرورِه أرحمُ من الشكوى من توقُّفِه.
أماكن من العمل على خريطة القاهرة
أعمال مقتبسة من هذا العمل